أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
479
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
آخر . والهلال هذا الكوكب المعروف . واختلف اللغويون : إلى متى يسمى هلالا ؟ فقال الجمهور : يقال له : هلال لليلتين ، وقيل : لثلاث ، ثم يكون قمرا . وقال أبو الهيثم « 1 » : « يقال له هلال لليلتين من أول الشهر ولليلتين من آخره وما بينهما قمر » . وقال الأصمعي : « يقال له هلال إلى أن يحجّر ، وتحجيره أن يستدير له كالخيط الرقيق » ، ويقال له بدر من الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة ، وقيل : « يسمّى هلالا إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل ، وذلك إنّما يكون في سبع ليال » ، والهلال يكون اسما لهذا الكوكب ، ويكون مصدرا ، يقال : هلّ الشهر هلالا . ويقال : أهلّ الهلال واستهلّ مبنيا للمفعول وأهللناه واستهللناه ، وقيل : يقال : أهلّ واستهلّ مبنيا للفاعل وأنشد : 869 - وشهر مستهل بعد شهر * وحول بعده حول جديد « 2 » وسمّي هذا الكوكب هلالا لارتفاع الأصوات عند رؤيته ، وقيل : لأنه من البيان والظهور ، أي : لظهوره وقت رؤيته بعد خفائه ، ولذلك يقال : تهلّل وجهه : ظهر فيه بشر وسرور وإن لم يكن رفع صوته . . . ومنه قول تأبّط شرّا : 870 - وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلّل « 3 » وقد تقدّم أن الإهلال الصراخ عند قوله : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به « 4 » . وفعال المضعّف يطّرد في تكسيره أفعلة كأهلّة ، وشذّ فيه فعل كقولهم : عنن وحجج في : عنان وحجاج . وقدّر بعضهم مضافا قبل « الأهلّة » أي : عن حكم اختلاف الأهلّة لأن السؤال عن ذاتها غير مفيد ، ولذلك أجيبوا بقوله : « قل هي مواقيت » وقيل : إنهم لمّا سألوا عن شيء قليل الجدوى أجيبوا بما فيه فائدة ، وعدل عن سؤالهم إذ لا فائدة فيه ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف . و « للناس » متعلّق بمحذوف ، لأنه صفة ل « مواقيت » أي : مواقيت كائنة للناس . والمواقيت : جمع ميقات ، رجعت الواو إلى أصلها إذ الأصل : موقات من الوقت ، وإنما قلبت ياء لكسر ما قبلها ، فلمّا زال موجبه في الجمع ردّت واوا ، ولا ينصرف لأنه بزنة منتهى الجموع . والميقات منتهى الوقت . قوله : وَالْحَجِّ عطف على « الناس » ، قالوا : تقديره : ومواقيت الحجّ ، فحذف الثاني اكتفاء بالأول ، ولمّا كان الحجّ من أعظم ما تطلب مواقيته وأشهره بالأهلّة أفرد بالذّكر ، وكأنه تخصّص بعد تعميم ، إذ قوله : « مواقيت للناس » ليس المعنى لذوات الناس ، بل لا بدّ من مضاف أي : مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت ، ففي الحقيقة ليس معطوفا على الناس ، بل على المضاف المحذوف الذي ناب « الناس » منابه في الإعراب . وقرأ الجمهور « الحج » بالفتح في جميع القرآن إلا حمزة والكسائي وحفصا عن عاصم فقرأوا حج البيت « 5 » بالكسر ، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن ، وهل هما بمعنى واحد أو مختلفان ؟ قال سيبويه : « هما مصدران » فالمفتوح كالردّ والشدّ ، والمكسور كالذّكر ، وقيل : بالفتح هو مصدر ، وبالكسر هو اسم .
--> ( 1 ) أبو الهيثم الرازي كان إماما لغويا أدرك العلماء وأخذ عنهم وتصدر بالرّيّ للإفادة مات سنة ست وسبعين ومائتين انظر البغية ( 2 / 329 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 59 ) ، وهو في اللسان « هلل » . ( 3 ) البيت لأبي كبير الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 2 / 94 ) ، القرطبي ( 2 / 342 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 173 ) . ( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 97 ) .